ابن خلدون
21
رحلة ابن خلدون
إنّ ما يضاعف من قوة المفارقة في سلوك ابن خلدون خلال ذلك اللقاء التاريخي في دمشق ، أنه عالم مستنير رصد البعد المتحضّر في سلوك الناس والمجتمعات ! لكن هل يجوز محاكمة مواضعات الماضي بلغة الحاضر ؟ على الأرجح لا . وما رحلة ابن خلدون ويوميّاته التي هي بمثابة ترجمة ذاتية ومذكّرات حافلة بالأحداث والوثائق والإشارات المتعلّقة بعالم كبير ، غير شهادة على عصر سادته الحروب وهيمنت عليه أعمال الطّغاة بصفتها فتوحات ؛ وأعمالا مشروعة لأقوياء يغيّرون مجرى التّاريخ . وقد يأسرون ضيوفهم الأسرى بخصالهم العجيبة وشخصيّاتهم المتألّهة ، فيصبحون ملك أيديهم ! VIII بذل محمد بن تاويت الطنجي جهودا غير عاديّة في تحقيق هذا الكتاب وفق منهج صارم ألزم نفسه به . وهو كما أوضح في شرحه لمنهجه : « كان البحث عن أصول الكتاب المخطوطة ، وصلتها بالمؤلف من أولى خطوات تحقيق هذا المنهج ، والذي أقصده بهذه الصّلة ، أن تكون النسخة مخطوطة المؤلف ، أو مقروءة عليه تحمل دليلا على هذه القراءة ، أو مكتوبة عن نسخته مباشرة أو بواسطة معارضة عليها إلخ . . . » . استطاع المحقق خلال عمله في فهرسة المخطوطات بين القاهرة واستنبول العثور على مخطوطتين للرحلة ، يقول : « أخطأت عين الزمان - وهو الحديد البصر - نسختين من هذا الكتاب ، كلتاهما كانت نسخة المؤلف ، وحفظت المكتبات المختلفة نسخا عديدة منه ومختلفة ، وبفضل ذلك استطعت أن أخرج الكتاب . » . إحدى النّسخ الكاملة التي اعتمد ابن تاويت عليها في تحقيق الرّحلة أرشده إليها البروفيسور التركي المقيم اليوم في ألمانيا فؤاد سيزكين ، ويصفه ب « تلميذ نجيب » ، ويشكره على ما أسدى إليه من خدمة بإرشاده إلى هذه النسخة بقوله : « لا أحب أن أنسى أن الفضل في الالتفات إلى هذه النسخة يعود إلى الصديق الكريم العالم التركي الشاب فؤاد سزكين ، فله خالص شكري . » . ويرجّح ابن تاويت « أن أحدا لم يعرف أنّها النّسخة الكاملة من هذا الكتاب . . » . ويجدر هنا أن نذكر أن سيزكين المقيم اليوم في ألمانيا ، يعتبر عالما حجّة في الأدب الجغرافي ، وله فضل كبير على